محاكمة لأشجار البن

محاكمة لأشجار البن

المؤلّف:
تاريخ النشر:
٢٠١٣
عدد الصفحات:
84 صفحة
الصّيغة:
7.29 ر.س

نبذة عن الكتاب

لم ينفض عن قدميه تراب السكك كما اعتاد كل يوم قبل الدخول إلى بيته المبني وسط بيوت الفلاحين والذي جعله مغايراً لها، وكنت أنا واحدة من خطوات سارها ليصل إلى هدفه،حينما اشتراني من سوق المركز، ظنني بعض أهله فاترينة وذهب آخرون إلى أنني دولاب ملابس، ولما أخبرهم حقيقتي تبادلوا نكاتهم عني، حتى لقب بعضهم بيت صاحبي بــ
(البيت أبو جزامة).
سككهم كلها تراب، كان مما يزعج زوجته كثيراً وهي على قيد الحياة هذا التراب،وها هو الآن يحافظ على تعاليمها التي طالما خالفها وهي معه.
في ركن إلى جوار الباب وضعني متحملا سخافات الفلاحين وبرودة تعليقاتهم، كنت سعيدة به وبحرصه على تلميع جوانبي كل حين وكنت محبة لمقاس قدمه الصغير الذي لم يختلف كثيراً عن مقاس قدم زوجته الراحلة، وكان ينفض من على نعليه تراب المقابر، فكنت أشم الرائحة المميزة لتراب المقابر عند عودته من زيارتها وكأنها جلباب فلاح نائم له زمن و لم تلمس المياه عظامه القوية ولا لحمه القليل، وكان يضع نعاله في واحد من أدراجي صامتاً، هذه العادة لم يغيرها إلا عندما يعود من مشوار واحد.. عندها كان يستغفر كثيراً و تكون نعاله قليلة التراب على غير عادتها وكأن شخصاً ما هناك يمسحها له (اكتشفت فيما بعد أنه كان يخفيها عندما يدخل إلى بيتها) بقية أدراجي ممتلئة بمقاسات أصغر أحسب أنه يحتفظ بها كذكريات من بناتها اللاتي تزوجن ولولده الذي سافر.
خيار الإقامة في القرية يبدو له في أحيان كثيرة خياراً متسرعاً لكنه كان يصر دائماً على صحته.
في هذا اليوم لم ينفض عن نعليه تراب سكته واستغفر لما اقترب مني ثم سكت ثم استغفر ثم سكت وفتح باب بيته وأمسك نعليه لم يتركهما.
مضت دقائق وأنا ساهمة أفكر في حاله وأفقت على حذاء نِسْويٍّ آخر تحاول صاحبته أن تحشره داخلي في غرور وغباء؛ فمقاس رجلها كان كبيراً وكعب حذائها عال، وأنا دقيقة لا أتسع لهذه المقاسات، ضقت بصاحبي وودت لو أسمعته لومي وتأنيبي؛ فصاحبة المقاس الكبير لا تستبدل بالراحلة منمقة القدمين (عَمى رِجلين أم عَمى رَجل؟).. الريح كانت معي أخذتني إليه.. دفعتْ بابه،وأخذتني إلى غرفة نومه فرأيتها... نعم كنت أجزاءّ، وطارت أوراق الصحف المصفرة من على أرفف أدراجي وكان ظهري حاملاً لكل أحذية السنين الفائتة.. لما رأيتها مستلقية مذعورة على سرير راحلتي وفخذاها الأبيضان مكشوفان وتكسوهما نقاط سوداء... الآن تذكرت كانا يشبهان صفحات تلك الصحف التي على أرفف أدراجي، تمنيت لو أن لي يدين كي أخنقها.. خرج صاحبي يحكم غلق الأبواب خشية الفضيحة وتركها منفردة، فلم أجد إلا كل ما علي من أحذية لطمتها بها وكدت أخفيها...لكنها الغبية أصرت عليه أن يحرق ما تبقى مني تدفئة لها من ذعرها والبرد.
لم يتم العثور على نتائج