على قيد الموت

على قيد الموت

تاريخ النشر:
٢٠١٦
عدد الصفحات:
216 صفحة
الصّيغة:
17.99 ر.س

نبذة عن الكتاب

يلتقي الزمن أمام حصارين من الحب والموت.. غزة أسلاك شائكة تحيط بها أنياب الدبابات لتقلع من جوف الأرض جذور الصامدين على أعتاب خيمة تبللت عيناها بكحل النساء اللواتي يخبزن النار لينام الصغار طيبون، بانتظار الصباح.
تفوح رائحة الحاجز على بعد مدينتين تئنان المشي الطويل في مساحات من العبث.. يجتمع الناس في بقعة من اليأس يحاولون صعود الحافلة الممزقة، المتعثرة من مرور المسافات التي اختلط وقتها بالضيق، تتشابه الوجوه حتى أنها ذات الملامح العابسة، التي افتقدت حدود الكلام خشية قناص قاتل يربض فوق برج عالٍ يسيطر برصاصة واحدة على تفاصيل اللجوء إلى السخرية من هذا المشهد..
يترقب رجل الإسعاف أي لحظة قاتمة قد تحول الخطوات الماضية إلى مسرح مؤجل من الوصول بسلام إلى الجهة الأخرى من الحاجز.. بينما يبتدع صاحب الحصان كيف يستغل عربته الصغيرة ليستقل الناس أجساداً متهالكة، أرهقها عبور الإسفلت، ووحش طائر يحوم في السماء يحاصر البحر.. ليعلن أخيراً بصوتٍ شغوفٍ للقمة العيش.. هيا لتسترح قدميك أيها المواطن المسكين.. بشيكل واحد فقط.
لم تأتِ المدينة لتكون دلالة على الأبعاد الجغرافية أو الموروثات الحضارية أو القيم الثقافية والفكرية، كما لم تكن لتمثل مرابع الطفولة أو شاهدة نزوات الصبا وحسب، بل هي كل هذا وذاك، فالحصار يفرض واقع أملي على المساحات والحدود أن تكونا شاهدتين على احتلال زور الحواجز، متفقتين أن الناس يموتون مراراً لكنهم يعودون لاحتساء صمودٍ جديدٍ بانطلاقهم في اليوم التالي، ليواجهوا ذات الحاجز وذات الجندي وذات التعب وذات المصير.
حين تصبح المدينة جرحاً فإن نكأه يعني توارد إنثيالات العاطفة والتاريخ بكل إرهاصاته التي تنمو معنا كلما كبرنا ودار الزمان علينا، ويعني أيضاً أنها مناسبة لجريان نزيف الذاكرة الذي يتأطر بالحسرة والمرارة، فحتى اللحظات الحلوة والجميلة تأتي هنا في سياق الجرح والألم على ما ارتكبنا من أخطاء.
إن مواجهة التاريخ الشخصي، التي تعني بشكل من الأشكال مواجهة مع التاريخ العام «تمثل مواجهة تستدعي التفاصيل الصغيرة التي كان لها الأثر الكبير في تحديد مسارات حيواتنا وتجعلها ماثلة أمام نواظرنا التي تستجمع كل حزن الأرض وأساها حين تنظر إليها وكأنها شريط سينمائي وحين تدرك أن راهنها هو شكل أسهمت كل تلك التفاصيل في تركيبه..
بل إن المدينة أصبحت مجازاً في تأريخ المشاهد كلها ما بين زحام ورصيف وممر وحدود وأسلاك تواصل الليل بالنهار لاحتجاز الأرواح.. لتتقن أخيراً كيف يهتف بائع الحلوى متجولاً جائعاً في سوق الاثنين.
«وسوق الاثنين».. تراث ينبعث من ينبوع المخيم ليشكل لوحة مبعثرة من التقاء الأجيال المتفاوتة والغائبة.. صغار يلفون بطونهم شال التمني، وأمهات لا تعرف أسماءهن فكلهن في تلك اللوحة «ثائرة».. تشتهي إحداهن الليمون وأخرى الزيتون، وثالثة تشرب الخروب تسقي رمقها من تساؤلات مريرة عن سعر الفواكه والخضار، حتى يندم البائع كثيراً من لحظات تداركه القرار الشخصي لافتتاح بسطةٍ مسكينةٍ يحاصرها العجز والضحك.
لم يتم العثور على نتائج