فلسفة الفعل - من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد

فلسفة الفعل - من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد

تاريخ النشر:
٢٠١٥
تصنيف الكتاب:
الناشر:
عدد الصفحات:
215 صفحة
الصّيغة:
47.99 ر.س

نبذة عن الكتاب

يعلم الكثيرون منّا ما كان ذهب إليه سبينوزا في القضية الثالثة والعشرين من الكتاب الرابع من الإتيقا حيث الإنسان الذي يقوم بأفعال وفق أفكار غير كافية لا يُعدّ فاعلا بفضيلته، أي بماهيته وطبعه، أي أنّه منفعل، أمّا إذا قام بفعل وفق معرفة فإنّه يُعدّ فاعلا، أي أنّه ينجز فعلا ما وفق ماهيته أو يصدر صادقا عن فضيلة. والفضيلة التي نعني ههنا ليست مناقبية أخلاقية بل هي ما به يكون الكائن ما هو، نعني خاصّتَه التي بها قوامه أو نَحيزَته بتعبير فلاسفة العرب الوسيطيين. فأن يفعل الإنسان وفق فضيلته بالدلالة التي ذكرنا، هو أن يحيا في العالم فهما وتعبيرا وتغييرا ونجزا للكيان مسرورا، عاقلا ومعقولا. بذا يكون الفعل التزاما وليس إلزاما، خفّة وليس ثقلا، إقبالا وليس سُخرَة.

فالحياة في العالم بدء وشراكة واستهلال حتى أن كلّ ولادة جديدة يهلّ معها عالم جديد مثلما كان بيّن مرلو بونتي ومن بعده حنة أرندت. لذلك علينا أن ندرك أنّ الفعل - بما في ذلك الفعل الكلاميّ - مترسّخ في العالم الاجتماعي وإن كان القائمون به أفرادا. فالفعل سواء كان تعبيرا أو رمزا أو تصرّفا قصديّا أو ترتيبا مؤسساتيا أو احتراما حقوقيا أو محبّة بيذاتية إنما غايته هي التوجه الإثباتي لحضور الأنا والآخر في العالم، إثباتا موسوطا بالحركات التعبيرية للجسد، بالتعيين الإدراكي، بالتقويم النسبـي، بالنقد الموجَّه لكلّ ضروب الهيمنة، بالتغيير الذي يتطلبه «العالم المعيش». وبالتالي فإنّ الفعل ليس فعلا تواصليا وحسب مثلما يذهب إلى ذلك هابرماس، حتى وإن كان ثمة إمكانية تأويلية تتحوّل بمقتضاها معاني العبارات إلى أفعال ومعاني الأفعال إلى عبارات. فأولوية خضوع الذات للمقولات العامة للغة يُغفل - حتى من الناحية الهرمينوطيقية - منطقة أكثر جذرية وأكثر عمقا هي منطقة «العالَم المعيش» البرّي والأصلانيّ الذي تتلاقى فيه الذوات وتتعارف - حتى دون معروف، أي دون اعتراف بالجميل - قبل أن تتفاهم. بالأفعال ينحسر في هذا العالم المنظور الأنويّ وتنبسط الآخرية ويتمكّن الأفراد من الظهور دون خجل، وتتقلّص اللامرئية الاجتماعية التي هي صنو الاحتقار الإتيقي- السياسي، وتتألق قدرات من يُحضرون ذواتهم في أفعالهم. هذا الظهور العلنيّ تعبّر عنه الأفعال التي لا تستنفدها الحاجة الاقتصادية ولا القانون المشرّع لحقوق الذوات وإنما الأساسيّ هو دخول الغيرية تكوينيا في تشكيل الإنية دون منحها الغلبة التي قد تؤدّي إلى كراهة الذات لذاتها. المهمّ هو تأصيل البينية والشبكة العلائقية، نعني تلك المسافة التي تمنع في نفس الآن من العزلة ومن التماهي، مع ما في تلك المسافة من اعتراف ووئام وسلم وما فيها كذلك من إنكار وتجاهل واحتقار وعنف.
لم يتم العثور على نتائج